by

القواعد الفقهيّة وتطبيقاتها في المسائل الطبّية

القواعد الفقهيّة وتطبيقاتها في المسائل الطبّية

(Penerapan Kaidah Fikih di Bidang Kedokteran)

المقدمة          

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإنّ من المعلوم لدى ذوي العقول السليمة أنّ علم الطب ومهنته تتبوأ مكانة رفيعة بين العلوم، ويُكسى صاحبها هيبة تليق به بحسب علمه وحذقه، وهذا لما فيه من الأهمية العظيمة، حيث ما للطب من علاقة جذرية بحياة الناس، فمن من الناس لا يمرض ولا يعتل ؟ فكل الناس كذلك – إلاّ من شاء الله – لذا نرى الناس يهرعون إلى طلب الاستطباب طمعاً في الشفاء، ويتحملون في ذلك الغالي والنفيس، وكل ذلك يهون أمام نعمة الصحة والعافية.

لذا، قال الإمام الشافعي-رحمه الله- : (( إنما العلم علمان : علم الدين وعلم الدنيا . فالعلم الذي للدين هو الفقه والعلم الذي للدنيا هو الطب))، وقال أيضا: ((لا أعلم بعد الحلال والحرام أنبل من الطب، إلاَّ أنّ أهل الكتاب قد غلبونا عليه)). فذكر بعض العلماء بل وجمهورهم (إن لم يكن مجمعا عليه) أنه من فروض الكفاية التي تأثم الأمة إذا فرطت في تعلمه.[1]

        وأحكام الطب وأنظمته يجب أن تخضع لحكم الله كغيرها من الأحكام قال تعالى: ((إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه… الآية))، ولما كانت القواعد الفقهية من أفضل مايعين العاملين في المجال الطبي من غير المتخصصين في الشريعة على فهم الأحكام الشرعية للمسائل الطبية الكثيرة، ومن خصائص القواعد الفقهية : سهولة حفظها، وجمعها لكثير من الفروع الفقهية، وسهولة تطبيقها لمن فهمها. وذلك يغني عن حفظ الكثير من الفروع، ويمكن الأطباء وغيرهم من العاملين في المجال الطبي من فهم الأحكام الشرعية وتطبيقها خاصة عند عدم توفر المفتي،كما في الحالات الإسعافية ونحوها.

        لذلك كله يحتاج العاملون في المجال الطبي إلى الاهتمام بدراسة هذه القواعد والتدرب على تطبيقها، وفهم أثرها،ليستطيعوا من خلال ذلك التعامل مع ما يجد من قضايا طبية، أو على الأقل القدرة على تصوير المسألة للمفتين كما ينبغي.

        فهذا البحث البسيط عبارة عن المحاولة في بيان القواعد الفقهية المتعلقة بالمسائل الطبية، وإني لا أبالغ في أن يكون هذا البحث كدليل للأطباء في التعرف بالأحكام الشرعية وخاصة خلال إجراء أعمالهم الطبية، بل وربما –وأرجو- أن يكون بحثي هذا مفيدا لي نفسي وطبعا للأطباء ولكل من يريد معرفة الأحكام الفقهية المتعلقة بالمسائل الطبية بأبسط طرق وأيسرها، والله ولي التوفيق والله أعلم بالصواب.

التمهيد

في القواعد الفقهية

المطلب الأول: تعريف القواعد الفقهية

أولا: التعريف الإفرادي

القواعد لغة جمع قاعدة، وهي ما بني عليه غيره، فيرادف الأساس.

والقاعدة في الاصطلاح العام : الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته.[2]

والفقهية هي المنسوبة إلى الفقه، وهو لغة الفهم. والفقه اصطلاحا العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.[3]

ثانيا: التعريف المركب

        وأما القواعد الفقهية باعتبارها مركبة فهناك تعارف متعددة عرفها العلماء، والتعريف المختار عندي هو أنها قضية كلية فقهية تدخل تحتها أحكام الجزئيات الفقهية المنطبقة عليها.[4]

المطلب الثاني : أهمية القواعد الفقهية

        للقواعد الفقهية أهمية قصوى لما فيها من فوائد عظيمة وقيمة تتجلى فيما يلي:

1- أنها تضبط الفروع الفقهية وتجمع شتاتها تحت ضابط واحد، فتسهل على الفقهاء والمفتيين ضبط الفقه بأحكامه.[5]

2- أنها تكوِّن الملكة الفقهية القوية لدراسة أبواب الفقه الواسعة واستنباط الحلول للوقائع المستجدة.

3- إن دراستها والإلمام بها تربي ملكة المقارنة بين المذاهب المختلفة.[6]

المطلب الثالث: حجية القواعد الفقهية

هل يجوز أن نجعل القواعد الفقهية دليلا شرعيا يستنبط منه حكم شرعي؟ فالعلماء اختلفوا في هذه المسألة على قولين: أولهما أنها حجة ، والثاني بعدم حجتها.[7]

وخلاصة القول إن وجد النص على القاعدة الفقهية وصح سنده ومعناه، فالحجة بالنص في كونه قاعدة تخرج عليها الفروع . وإن عدم النص وصح الاستقراء فالقاعدة الفقهية حجة للاستقراء، وعملا بالظن الراجح ، ولعموم أدلة القياس . وإلا فهي في الحكم كفرع فقهي.[8] أو بعبارة أخرى أنها حجة بشرط عدم دليل يخص المسألة، سواء كان الدليل نصا أو قياسا خاصاً.[9]

المبحث الأول

في قاعدة الأمور بمقاصدها

المطلب الأول : معنى القاعدة

        أنّ أعمال المكلف وتصرفاته من قولية أو فعلية تختلف نتائجها وأحكامها الشرعية حسب مقصده ونيته منها.[10]

المطلب الثاني: أدلة القاعدة

        لهذه القاعدة أدلة عديدة من القرآن والسنة والإجماع، أذكر بعضها تجنبا عن الإطالة:

1- القرآن، وهو قوله تعالى في سورة البقرة : ((وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)

2- ومن السنة حديث أبي حفص عمر بن الخطاب> قال: سمعت رسول الله @ ((إنما الأعمال بالنيات…))[11]، وغير ذلك من الآيات والأحاديث الكثيرة تدل على ذلك.

المطلب الثالث: علاقة القاعدة بالمسائل الطبية

        وهذه القاعدة لها علاقة بالمسائل الطبية من حيث إن كلا من الطبيب والمريض يعمل أعمالا ولهذه الأعمال مقاصد تختلف أحكامها حسب نيتهما.

المطلب الرابع: فروع القاعدة في المسائل الطبية

1- مهنة الطب مهنة شريفة، فمن عمل بها ابتغاء مرضاة الله عز وجل، فهو مأجورعليه، ومن نوى غير ذلك فحكمه حسب النية.

2- صرف الطبيب الدواء للمريض بقصد الإضرار يكون الطبيب جانيا، بخلاف ما إذا قصد نفعه فتضرر.[12]

المطلب الخامس: مستثناة القاعدة وتطبيقها في الطبية

        ولهذه القاعدة مستثناتها وهو قاعدة “من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه”.[13]

        وتطبيق هذه القاعدة في المجال الطبي، إذا قرر الطبيب عملية لا يحتاج إليها، طمعا في الحصول على مقابل مالي فإنه يحرم، بل وعليه ضمان آثار ما قام به من العملية.[14]

———–

[1]  المفصل في أحكام الهجرة، علي بن نايف الشحود، 2007، ص 260

[2]  دستور العلماء، القاضي عبد رب النبي بن عبد رب الرسول الأحمد نكري، دار الكتب العلمية – لبنان / بيروت – 1421 هـ، ج3، ص 39

[3] وهذا ما عرفه الشافعي رحمه الله، انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي، ج 1، ص 14

[4]  الوجيز في إيضاح القواعد الفقهية، محمد البورنو، مؤسسة الرسالة، بيروت ، 1422هـ، ص 16، وانظر: المنهاج في علم القواعد الفقهية، ص1

[5]  الوجيز، ص 24.

[6]  المصدر السابق، ص 24-25

[7]  المصدر السابق، ص 38-43.

[8]  المنهاج في علم القواعد الفقهية، رياض الخليفي، ص 3، وانظر: الوجيز، ص 40

[9]  تطبيق القواعد الفقهية  على المسائل الطبية، ص 8

[10]  الوجيز، ص 124 بتصرف.

[11]  متفق عليه، وهو حديث مشهور على صحته، وأخرجه الستة.

[12]  تطبيق القواعد الفقهية، ص 12.

[13]  وهذا تعبير الشافعية، انظر: الوجيز في إيضاح القواعد الفقهية، ص 159.

[14]  تطبيق القواعد الفقهية، ص 14.

News Feed